في الذكرى الثالثة عشر لوفاته ألف تحيةٍ من الأعماق إلى عَلّم من أعلام الكُرد مصطفى نريمان
عبدالمطلب رفعت سرحت- كفري
Muttalibabdul@yahoo.com
لا يسعني وأنا بصدد الكتابة عن هذا المربي والأديب الجليل ماسكاً بيراعي لأكتب هذه الأسطر المتواضعة.. لا يسعني إلا أن أخلع القبعة وأنحني احتراماً لشخصه الكريم.
فمدينة (كفري) تعد من أهم المراكز التي أعطت المئات من الأسماء اللامعة في كل مناحِ الحياة فمنهم الكُتاب والأُدباء والشعراء والوزراء.. وهي المدينة التي تطلق عليها (مدينة الوزراء), إلا أنه وللأسف الشديد فإن قلة قليلة منهم اهتموا واكترثوا لمدينتهم وأعاروها الاهتمام ومن هؤلاء (مصطفى نريمان) الذي يأتي في مقدمة الذين وفوا لموطنهم الطفولي.
إنه لأمر مؤسف جداً أن لا نتذكر أو نذكر هذا الرجل البارع إلا عابراً, بل أنه من الظلم والإجحاف أن لا نفتخر بهذا الذات الذي أخلص وضحى بقلمه وتفانى دون أن يركع لأية سلطة مثلما هو عليه اليوم الكثير من الكُتاب والمثقفين!!.
وخير دليل على إخلاص الأديب (مصطفى نريمان) هو إخلاصه لمدينته العريقة (كفري) التي ترعرع فيها حيث دونَ وبإسهاب في كتابه (ثورة إبراهيم خان الدلو) عن أهم منجزات الكُرد في ثورة العشرين بل وعن المآثر القومية والأدبية الكُردية في كفري لينجي تأريخ مدينته العريقة المتغلغلة في عمق التاريخ والقابعة منذ زمن في لهيبٍ من النار من الضياع والذوبان في السيل العارم للشوفينية البعثية العنصرية بممارسة سياسة.. التعريب في زمنٍ كان الكثير من الكتاب يخشون من إبراز أنفسهم في الساحات الأدبية.. واستطاع بذلك تخليص تأريخ مدينة (كفري) التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الضياع.. في زمنٍ كان الكثير من الكُتاب لا يكادون يفقهون قولاً أو كلاماً منصفاً أو عادلاً.
فمثل هذا الشخص الذي ضحى بقلمه بل وقدم أروع أنواع التضحية في تاريخ كفري بل والكُرد أجمع, لا يمكن لنا أن نجعله كأي شخصٍ آخر أو حتى يقارن بمن هم قابعون الآن على حفن من الدولارات ليشروا بها أقلام المحسوبين على المثقفين والكتاب.. فشتان ما بين الثرى والثُريا.
من هو نريمان:
(مصطفى نريمان) هو “مصطفى سيد أحمد البرزنجي” ولد في مدينة كفري في 28/6/1925 وترعرع في كنف والده وتعلم منذ صغره أربع لغات وهي (الكُردية والعربية والفارسية والتركية) وأكمل دراسته الابتدائية في (كفري) ودراسته المتوسطة في كركوك ودار المعلمين في بغداد ولُقب بـ(نريمان) حينما كان طالباً في دار المعلمين وأُطلق عليه هذا اللقب من قبل رفيقيه الأديبين (كريم زند ومحمد توفيق وردي).
تعين بعد تخرجه من دار المعلمين في مدرسة قرية كلار عام 1944 ومارس التعليم في عدد من المحافظات العراقية ومنها الكوت وبغداد بالإضافة إلى خانقين, وتم نقله إدارياً من كركوك إلى بغداد عام 1967.
بدأ المرحوم بمزاولة العمل الأدبي منذ عام 1942 ورفد المجلات والصحف بمساهماته الأدبية ونشر الكثير من المقالات.
يعد (مصطفى نريمان أول من أصدر مفكرة كوردية وكان ذلك عام 1957 وبعد الثورة عام 1958 أصدر مفكرة أُخرى بعنوان “كُردستان” ومن ثم “ثيرةميَرد”, وبالإضافة إلى ذلك فقد أصدر أول بيلوغرافيا للكتب الكُردية.
وقد عمل سكرتيراً لمجلة الـ(بيان) ومن ثم رئيساً لتحرير مجلة (رةنطين) وتلقى الدعم والتعاون من قبل زملائه من الأدباء الكُرد وخاصة (ثيرةميَرد ورفيق حلمي وعلاء الدين سجادي) .. وله العديد من المؤلفات تقدر بـ(19) كتاباً قيماً وكان أول كتبه (صرخة الشباب) عام 1953 وآخرها (مذكراتي) عام 1994 وكان له ركن خاص في الإذاعة الكُردية بعنوان (ماذا حدث في مثل هذا اليوم).
تعرض الأديب (مصطفى نريمان) إلى السجن والاعتقال والتعذيب عدة مرات في أعوام 45 و57 و61 و63 و66 وزُج به في سجون كركوك وبغداد وجلولاء ونكَرة السلمان والرمادي والكوت.. وله مسيرة طويلة معذبة بـ(الفصل والاعتقال) لنضاله من أجل مبادئه النبيلة.
قصة مفكرته الشهيرة:
في عام 1957 ومثلما أشرت سابقاً قام الأديب (مصطفى نريمان) بطبع أول مفكرة جيب كُردية في (مطبعة الشمال) بمدينة كركوك حينما كان معلماً في مدرسة (القلعة) وقد دوّن فيها التاريخ الكُردي إلى جانب التأريخ الهجري والميلادي وسطر على صفحاتها أهم الأحداث التاريخية في التاريخ الكُردي.. إلا أن رجال الشرطة قد باغتوه في صيف ذلك العام في شهر رمضان وكان صائماً وقادوه إلى مديرية الشرطة في كركوك فوجد كل من صاحب (مطبعة الشمال) واثنين من أصحاب المكتبات في كركوك والسليمانية فبادر (مصطفى نريمان) بالقول أنا صاحب المفكرة وليس لهؤلاء شأن في ذلك فأطلقوا سراحهم.
وقد بدأ معه التحقيق وسألوه عن كل شيء في حياته.. وقد تم سحب جميع المذكرات المطبوعة من المكتبات إلا مائة نسخة منها حيث تم بيعها في السوق السوداء وبسعر دينار واحد.
وخص العديد من كتاب الكُرد في ذلك الوقت مقالاتهم بخصوص المفكرة وصاحبها وطالبوا بالإفراج عنه.. واتهمه محافظ كركوك حينها بالفصل وذلك بتوجيه تهمة الإنفصالية إلا أن تدخل أحد أعيان كركوك وهو المدعو (حسين خانقاه) حالّ دون فصله.. ويتكلم الأديب مصطفى نريمان عن ذلك في كتابه (مذكراتي) ويسترسل: ” أرشدني السيد (حسين خانقا) بعد إطلاق سراحي أن أُسافر إلى بغداد لمقابلة الوزير (حمه سعيد قزاز) ذلك لأن المسؤولين في كركوك يكيدون لي ما هو أسوء, فقصدت بغداد في اليوم الثاني مباشرة وقابلت هناك (عبدالقادر قزاز) فقال لي نذهب مساءاً إلى النائب علي كمال وغداً تقابل (حمه سعيد) فقابلنا علي كمال الذي باركني إنجاز المفكرة بحرارة وقال لقد تكلمنا مع (حمه سعيد) بصدد الموضوع, غداً تقابله وأرجو أن لا يشغلك أمر المفكرة, وفي اليوم التالي ذهبت إلى ديوان وزارة الداخلية فقابلت هناك السيد (فؤاد ونداوي) ابن شقيقة الوزير (عمر نظمي) فكان يعمل مديراً للمكتب الخاص للوزير وقد كان يعرفني لأننا كلانا من مدينة (كفري) فقدمني للوزير الذي بالغ في استقبالي فأجلسني في مكتبه وطلب لي شاياً وسألني بكل لطف من أية مدينة أنت يا ولدي؟ فقلت من (كفري), فقال ابن من في (كفري)؟ فقلت أنا ابن (سيد أحمد), فقال سيد أحمد الذي يتقن الفارسية بطلاقة ودكانه مقابل سقيفة الخياطين بـ(كفري)؟ فقلت نعم هو والدي.
وبعدئذ بدأ يجاملني بطرح جملة من الأسئلة التقليدية كمن يريد التعرف على صديق جديد وقبل أن يبدأ بالاستفسار عن المفكرة طلب لي عصيراً فشربته ثم قال سائلاً عن المفكرة وقد كان يحتفظ بنسخة منها على مكتبه يتصفحها, يا ولدي أنت شخص ذكي جداً من أين أتيت بهذه السنة الكردية؟ فقلت إن السنة الكردية تبدأ بتشكيل دولة (ماد) التي تشكلت قبل 700 سنة قبل ميلاد المسيح عليه السلام, فقال: قسماً إن هؤلاء المسؤولين في كركوك قد ظلموك فحتى الحمار يعرف أن هذين الفارسين في الصورة هم من الموكريان. فأجبته ولماذا إذن تعينون هكذا موظفين في كركوك؟ فقال أنا لم أُعينهم ولستُ راضٍ عنهم, ثم سأل عن ما موجود في متن المفكرة فلم يعلق بشيء عن القاضي محمد (رئيس جمهورية كُردستان في مهاباد) أُعدم عام 1947 بعد أن قضى الجيش الإيراني عليها بمساعدة الاتحاد السوفيتي السابق) ولكنه توقف عند الشيخ (مجمود الحفيد) قليلاً فأردف قائلاً: ماذا تقصد بتوضيحك معركة (دربندي بازيان) و (معركة السراي) بهذا الشكل؟ فسألته: أتسألني كوزير داخلية يواجه معلماً أم كمجرد كُردي يُكلم كُردياً آخراً؟ فترك مكتبه وجلس بجنبي وقال لا أنا أكلمك ككرديين.. فقلت أبإمكانك أن تنكر وجود (الشيخ محمود) في السليمانية وإدارته في المنطقة وتصديه للإنكليز وأسره بيدهم؟ فقال: لا , لا أنكر ذلك ولكن لو كان الشيخ معتدلاً قليلاً مع الإنكليز لكُنا الآن غير ما نحن عليه.. فلا أنت تسجن بسبب مفكرة كهذه ولا أنا استوزر في بغداد, ففوجئت بإجابته وقد كبر الرجل عندي أكثر من ذي قبل, رجل يمسك خيوط داخلية العراق بصورة عامة وهكذا ينظر إلى المساءل!! ومن ثم قال: على كل حال انتم لا زلتم شباباً وأمامكم الكثير أتمنى أن لا تكونوا مثلنا تمعنوا الوجه الآخر للأشياء آنئذٍ تفهمون ما يجري في العالم.. فقال يا ولدي إن نسخ المفكرة كما يبدو قد تلفت اذهب واكتب واحدة أخرى للسنة الجديدة وقدمه كما يقدم أي كتاب آخر إلى (محمد باشقه) مدير المطبوعات في الوزارة وأطبع منها ضعف ما طبعت هذه السنة وأنا شاكر لجهودك في إعداد المفكرة و من ثم نهض إلى مكتبه وأدر التلفون موبخاً المتصرف أشدّ توبيخ وقال له سيعود (نريمان) إلى كركوك وتكرمه وتعيده إلى وظيفته معززاً وأخيراً استأذنت منه فودعني بمثل ما استقبلني بالحفاوة”.
يقول (مصطفى نريمان): “عدتُ إلى كركوك وذهبت إلى ديوان المحافظة فالتقيت بدئاً بالمرحوم (مدحت مبارك) مدير تحريرات المتصرفية وهو ابن بلدتي فحدثته بمقابلتي للوزير فأبدى لي سروره وقال إن المتصرف ينتظرك للمقابلة وأرشدني بالدخول فوجدت المحافظ على النقيض من تصرفه إياي في المرة السابقة التي كنت فيها مكبلاً فنهض مستقبلاً وألحّ عليّ بالجلوس لكني أبيت أن أجلس وحتى (مدحت بك) ألحّ عليّ بالجلوس فبقيت على إصراري وقلت في المرة السابقة دخلت إليك مسلماً فلم ترد عليّ سلامي والآن أتيتك بأمر (سعيد بيك) فأعتذر كثيراً وقال ستعود إلى وظيفتك في نفس المدرسة.. فتركته وذهبت إلى مسكني لأجد محتويات مكتبتي قد التهمتها النار خوفاً من المزيد من التحري.
وفاته رحمه الله:
توفيّ الأديب (مصطفى نريمان) في بغداد يوم الجمعة الموافق 27/5/1994 غريباً عن أهله, وقد أستلم جثمانه من قبل أولاده من مستشفى مدينة الطب وأخذ إلى مرقد الشيخ “عبدالقادر الكيلاني” وتم تأدية شعائر صلاة الجنازة عليه بحضور مفتي العراق الراحل “الشيخ عبد الكريم المدرس” ودفن في مقبرن (محمد سكران) في حين أنه كان قد وصى بدفنه في كفري ولكن الظروف السياسية في حينها حالت دون نقل جثمانه ولحد الآن رغم طلب الكثير من محبيه وأقاربه ومناشدتهم حكومة الإقليم في ذلك ودون نتيجة.. وأقيمت لـــه مــراســيم الفاتحة في جامع “صالح أفندي” في الأعظمية.. وقد نعاه الكثير من أصدقائه الأدباء والمـربين.
أهدى المرحوم (مصطفى نريمان) مكتبته المكتنزة بالكثير من الكتب القيّمة والبالغة عددها أكثر من (700) كتاب وبوصيةٍ منه إلى مكتبة كفري.
ورغم جهوده الجبارة في النضال من أجل مبادئه النبيلة فإن الحكومة الكُردية لم تبدي أية إعارة بشخصه سوى نصب تمثال له في مركز كفري والذي قامت بلدية كفري بأنفلته بحجة تنفيذ بعض المشاريع الخدمية دون استرجاع ذلك النصب إلى محله رغم استكمال تنفيذ المشروع.
إن المربي (مصطفى نريمان) استطاع وببسالته وقدرته الأدبية الفائقة وخلفيته التاريخية وبالاعتماد على نخبة خيرة من الرجال الأفذاذ في (كفري) أن يسطر تاريخ كفري بل وجزء هام جداً من تاريخ الكُرد ودون أدنى انحياز في كتابه (ثورة إبراهيم خان الدلو) ومن دون أن يعرض يراعه الذهبي في سوق بائعي الأقلام حينها.
فقد أنقذ تاريخ كفري في زمن كان كتابة التاريخ فيه مصاباً بعاهات مزمنة لا تبقي ولا تذر من الحقيقة شيء كالزيف والدس والتحريف!!.. ولكنه أبى أن يكتب أو يجر بقلمه إلا ما يُسر الصديق ويُخيب العدو..
فألف تحية من الأعماق إلى فقيدنا الغالي في ذكراه السنوية…,
