RSS

ملف المدن المنسية … كفري.. المدينة القابعة في اللهيب و الباكية من اجل اللهيب

20 Jul

قيس قره‌داغي

كفري من الاقضية الكردستانية التي ابعدها النظام المقبور من محافظة كركوك شانها شأن اقضية طوز خورماتو وكلار وچـمچمال ضمن سياسة التعريب ، مدينة شهدت مراحل التاريخ منذ ان كانت عاصمة لدويلة مستقلة تحمل اسم ( كيماش ) في العهد البابلي واعطت لكل العهود رجال افذاذ وشخصيات مهمة غير انها ظلت علما منسيا يكاد ان تتعلق بحاشية الزمن ، جرفتها الويلات الطبيعية ودمرتها معارك الامبراطوريات المتصارعة على ارضها ، قلعت من جذورها عدة مرات وعادت ترمم نفسها بنفسها ، آثارها التاريخية مطمورة لم تلمسها يد آثاري قط ، غير انها تعرضت الى عبث مهربي الآثار وباتت قطع نادرة منها تهرب الى دول الجوار وتباع بسعر التراب والسلطات المحلية لم تفعل شئ يذكر ازاءهم . قصة هذه المدينة تحمل بين طياتها من الشغف والشوق الشئ الكثير وهذه الكتابة ليست الا مساهمة متواضعة للتعريف بها .

اسم المدينة
راجعت المنجد فوجدت ان كلمة كفر تطلق على نوع من القار يستخدم في طلاء السفن والبواخر ، ويلاحظ في المدينة واطرافها اطلال مناجم عملاقة للفحم الحجري انتهى العمل فيها في الستينات بعد ان سقط الكثير من العمال امواتا بعد انهيارها لمرات عديدة خاصة في قرية ( ناصالح _ 3 كلم شرقا ) ، حيث كان الاتراك العثمانيون يستخرجون الفحم منها في الحرب العالمية الاولى لتشغيل المكائن والالات والقاطرات وكذلك لامور التدفئة وادامة السفن ، ولكن الاستاذان طه باقر وفؤاد سفر يعتقدان ان كلمة كفر متطورة من كلمة ( كار ) البابلية وتعني الفحم ، اما الدكتور مكرم الطالباني ( وزير الري الاسبق ) والمرحوم مصطفى نريمان ( اديب راحل ) والاستاذ جمال بابان ( مؤلف كتاب اصول اسماء المدن والمواقع العراقية ) يؤكدون ان كفر كلمة تطلق على نوع من الاشجار دائمة الخضرة كانت تشكل غابات تغطي المنطقة قديما ( لازالت بقايا من هذه الاشجار موجودة في قرية ( 12 امام _ 7كلم جنوب شرق المدينة ) تنمو على ضفة النهر الذي يشق القرية وهي شجيرات طول الواحدة منها مترا واحدا او اكثر بقليل ، اما ما يترددها بعض العامة من السكان بصدد اصل التسمية هي رواية اشبه بالاساطير التي تصنعها مخيلات الناس ، اذ يقولون ان المدينة كانت قبل دخولها الاسلام تدين بالدين الزرادشتي ( وهذه حقيقة حيث هنالك مجموعة متراصفة من آثار المعابد الزرادشتية في سلسلة الجبال الواقعة شرق المدينة ) تقول الرواية ان الحملة الاسلامية بقيادة ابي عبيدالله الجراح زحفت نحو كوردستان و اصطدمت بمقاومة عنيفة على اسوار مدينة كفري واستمرت المعارك سجالا عدة ايام فاصبحت الغلبة للزاحفين لكثر عددهم بعد ان تركوا في ساحة المعركة عددا كبيرا من القتلى بينهم اثنتي عشر قائدا ميدانيا دفنوا في الموقع الذي لايزال يحمل اسمهم ( قرية 12 امام ) المار ذكرها ، ومن المدافعين عن المدينة ايضا سقط الكثير من القتلى منهم تسعة اخوة لام لبست السواد وجابهت القائد الاسلامي بالسب والشتم والكفر بالدين الجديد الذي حل محل الديانة الزرادشتة في كفري ، فقال لها القائد ( كفرّي .. كفرّي ) بتشديد الفاء ، مهددا اياها بالدخول الى جهنم كونها كفرت بالدين ، ومن هذا التهديد اخذت المدينة اسمها الجديد بعد ان كانت تحمل اسم ( كيماش ) ، ويسترسل الاستاذ فائق خورشيد قادر مدير البيت الكردي في المانيا الذي روى لي هذه الرواية ولعل المثل العراقي العربي القائل ( كفري كفار ما يحبون الخطار ) قد بدأت تقال بعد هذه الحادثة التاريخية باعتبار الجيش الاسلامي الزاحف على المدينة ( خطار _ ضيوف ) وقد جوبهوا بالسيف .

الصلاحية
كان اسم المدينة ابان الحكم العثماني للمنطقة ( صلاحية ) حيث تؤكد الوثائق السرية العثمانية بأن سكان المدينة كانوا يتمذهبون بالمذهب الجعفري الاثني عشري قبل دخول العثمانيون اليها ، وبعد سنولت من تمركز القوات العثمانية فيها بدل السكان مذهبهم واصبحوا سنة ( مذهب الدولة العثمانية الرسمي ) ، ولهذا تم تغير اسم المدينة من ( كفري ) الى ( صلاحية ) باعتبارهم حسب العثمانيين تم اصلاحهم ومعلوم للمطلع كان هنالك صراع مستديم بين الدولة العثمانية السنية والدولة الصفوية الشيعية وكثيرا ما كانت مدينة كفري تقع ضمن الخط الفاصل بين الدولتين المتصارعتين ، وهذا الامر يحيلنا الى التشكيك بامر قرية ( 12 امام ) القريبة من المدينة فيسأل من يتشكك اليست هذه مقامات للائمة الاثني عشر حسب معتقد اهل المدينة عندما كانوا شيعة !؟ فالامر اذن بحاجة الى المزيد من البحث والتقصي ولا بد ان يأتي باحث متخصص ما و يضع حدا لهذه التساؤلات يوما .

كفري في التاريخ
تخبرنا المصادر التاريخية بان هذه المدينة كانت مركزا لدويلة مستقلة تسمى ( دولة كيماش ) في العهد البابلي حيث كان موقعها آنذاك في ( آسكي كفري _ 7 كلم جنوبا ) تم تشيدها بعد انهيار السد المقام في موقع ( قوشة چاپان ) شمال المدينة الذي ادى الى دمار المدينة دمارا كاملا حيث لا تزال آثار السد المتهرئ و المدينة المنكوبة ماثلة للعيان بكل وضوح في موقع المدينة القديم في الضفة الشرقية لنهر كفري التي تحمل اسم ( قرة اوغلان ) حسب الوثائق والخرائط العثمانية ، و ( قوشة چاپان ) موقع يقع في نهاية السلسلة الجبلية التي يعتبر باباشاسوار اعلى قمة فيها ، وقد تعرضت المدينة الى غزو الرومان فتدمر المدينة ثانية في معركة جرح فيها القائد الروماني المدعو ( چوليا ) فانتقلت المدينة من آسكي كفري الى موقعها الحالي لاسباب امنية دفاعية صرفة حيث الموقع الحالي مطوق بمرتفعات في جهته الشمالية والشرقية وضرب حوله سور لازال بعض آثاره باق والسور كان باربعة بوابات وكل بوابة تحمل اسم الجهة التي تقصدها وهي ( قاپي ( باب ) 12 امام ) شرقا و ( قاپي بغا _ بغداد ) جنوبا و ( قاپي شارزور ) شمالا و (قاپي كركوك ) في الشمال الغربي ولكل بوابة من هذه البوابات الاربعة طريق يؤدي الى تلك المدن والمواقع والاهالي لا زالوا يستخدمون اسماء البوابات تلك للدلالة على الاتجاهات في احاديثهم اليومية ، فمن يزور كفري تتماثل امامه عشرات الشواهد التاريخية تتحدث بصمت عن ماضي المدينة العريق ومن تلك الشواهد موقعة ( قزلر قلعسي ) التي تكتنفها الاساطير والقصص المشوقة و موقعة ( 7 مغارة ) حيث المعابد الزرادشتية السبعة المتلاصقة احدها بالاخر و ( يك مغارة ) وقد تم نسف هذا الموقع بالديناميت من قبل عابث حر بحثا عن الاثار التي اصبحت تجارة رائجة في العراق حيث كان المجرم ارشد ياسين مرافق الصنم المسجون يتاجر بالاثار سواء بسرقة آثار العراق من المتاحف أو بشراء القطع الاثرية من مافيا الاثار الصغار ، و موقعة ( دربندي تالا ) وموقع ( آسكي كفري ) و مغارة ( گوبان ) التي كانت تعج بالاطفال المصابين بالسعال الديكي حيث يعتقد الناس هنا ان مناخ الكهف يساعد على شفائهم ( باذن الله ) والجبل المسمى ب ( داش اتان ) على طريق سرقلعة القديم ( طريق شهرزور ) وقلعة ( شيروانه ) الرائعة في بنگرد كلار وفي الكثير من هذه الكهوف تنبت حشائش الكزبرة ( به ره زا ) التي تستعمل كدواء لمعالجة امراض الكلى ، الى جانب العشرات من المراقد والمزارات والاضرحة التي تتبرك الناس بها وكلها تحمل قصص تاريخية لم يشر اليها معظم من كتبوا تاريخ المنطقة ومن المراقد المهمة مرقد الامام ابراهيم السمين بن موسى الكاظم عليه السلام ومقام ابراهيم الخليل . حكومة اقليم كردستان باعتبارها الجهة المسؤولة اداريا على المدينة معنية بامر المحافظة على آثار المدينة والتنقيب عليها وتصنيف مواقعها التاريخية ضمن المواقع الاثرية .

كفري بعد تشكيل الدولة العراقية
استوزر الكثير من ابناء كفري في العهد الملكي حتى اطلق عليها بلدة الوزراء حيث كان المرحوم عمر نظمي وزيرا في عدة وزارات متعاقبة وقد اصبح بعده ابنه جمال عمر نظمي وزيرا وهو من عشيرة الونداويية القادمة من منطقة وان وباشقلا في شمال كوردستان وقد هجرت العشيرة موطنها الاصلي بسبب مشاكل بينها وبين عشائر اخرى هناك ورئيسة العشيرة كانت امرأة تدعى التون خانم نادرة في الشجاعة والاقدام ونكران الذات الى جانب حسن جمالها وهي التي قامت بتشيد جسر على نهر الزاب في طريق هجرتها الى الجنوب من كوردستان بعد ان عارضها صاحب الجسر القديم ان يتزوجها مقابل السماح للعشيرة مع كامل ملحقاتها بالعبور الى الضفة الاخرى لكنها أبت ان تكون مجرد بضاعة فامرت عشيرتها ببناء جسر كبير اطلق عليه ( التون كوبري ) اي جسر التون ومنها جاءت تسمية المدينة التي بنيت على جانبى الجسر ( مدينة التون كوبري ) الحالية من اعمال محافظة كركوك ، وتيمنا على هذه الشجاعة النادرة خلد احد شعراء كركوك هذه المأثره برباعية من الخوريات التركمانية لازالت الالسن تترددها في مجالسها ونص الرباعية كالاتي :
صو ساني
سونبول ساني صوساني
گيچمه نمارد كوپرسنن
قوي اپارسن صوساني
ومعنى الرباعية التي اصبحت مثلا يضرب ( فليجرفك السيل خيرمن تعبر جسر من لا شرف له ) و تعطي نفس مدلول المثل العربي ( لا تأخذ الحاجات الا من اهلها ) ، ابناء هذه العشيرة امتهنوا السياسة في العهد العثماني ولهذا تشرئبوا بالثقافة التركية واصبحت التركمانية لغة التفاهم فيما بينهم واختلط الامر على البعض منهم فاعتبروا انفسهم تركمانا غير ان رئيسهم القاضي نهاد بيك الونداوي تفرغ للمسألة بعد احالته على التقاعد فحقق من شجرة العائلة واثبت اصلها الكردي وبدأ يلبس الزي الكردي كي يقطع شك المتشككين في الامر وحتى توزير عمر نظمي في العهد الملكي تم وفقا لمبدا المحاصصة القومية في العراق حيث كان يمثل المقعد الكردي في الوزارات التي استوزر فيها ، ولكن ما يثير استغرابنا ان حفيده الدكتور وميض جمال عمر نظمي يعرف بمنظر للقوميين العرب ولم يذكر مرة من المرات اصله الكردي ولا مدينته كفري وحتى عندما وضع اطروحته حول ثورة العشرين لم يذكر كفري بكلمة واحدة في حين تعتبر المدينة من المحطات الرئيسية للثورة في كردستان والعراق .
ومن الشخصيات الاخرى التي تم استيزارها في العهد الملكي محمود بك بابان و احمد مختار بابان آخر رئيس وزراء في العهد الملكي قد تزوج من عفاو خان شقيقة الاول من العائلة البابانية الشهيرة التي استقرت رؤسائها في كفري بعد انهيار الامارة البابانية التي كانت كفري احد توابعها ، فقد بنى عبدالمجيد باشا الباباني قصرا فخما في غرب المدينة داخل البستان الذي يحمل اسمه لحد الان ، وشقيقه اسماعيل بيك سكن في الضفة الاخرى من المدينة واحد اكبر احياء المدينة يحمل اسمه ، خلف المشهور جميل بيك بابان والده وقد انجب الاخير ست ابناء اشهرهم احمد بيك الذي كان من المساندين لحزب هيوا بقيادة رفيق حلمي وهو اول من احتفل بعيد نوروز وجعله تقليدا دائما في المدينة وكان منزله يضم مكتبة عامرة وان كان هو ضريرا وقد تربى شقيقه نجيب بابان في هذه المكتبة فاصبح علما من اعلام كردستان .
ومن وزراء العهد الجمهوري في العراق نذكر الدكتور مكرم طالباني وزير الري واحد اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي سابقا ، وقد تقلد السيد محمد شاكلي وزارة الاوقاف في حكومة اقليم كوردستان بينما تقلد السيد عثمان حاجي محمود وزارة الداخلية في نفس الحكومة ، اما اعضاء المجلس النيابي في العراق فكان المرشحون للواء كركوك غالبا من قضاء كفري ( من رؤوساء الجاف والداودة ) ، وفي اول برلمان كوردستاني مثل ثلاثة هذه المدينة وهم الدكتور حمة نجم الجاف عميد كلية الطب بجامعة صلاح الدين والاستاذان صلاح حميد وعلي عبدالله غير ان الحزبين اهملا ابناء المدينة في ان يمثلوا في المجلس التاسيسي العراقي الحالي وفي الدورة الثانية لبرلمان كوردستان لكثرة المحسوبين والمنسوبين ، مااكثر اعدادهم وما اقل خدماتهم .

مدينة البساتين بلا شجر
كتب شيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني في كتابه ( العراق قديما و حديثا ) ، كفري مدينة تشتهر ببساتينها الغناءة ، فالادارة المحلية اهملت اعادة بناء السد الصغير في موقع ( قوشة چاپان ) فانقطع الوريد الرئيسي الذي كان يغذي عشرات البساتين العامرة في المدينة حتى عام 1963
فاصبحت جميعها مجرد ذكرى في مخيلة الجيل الذي سوف ينقرض بعد اعوام ، فبساتين المدينة التي كانت المدينة تشتهر بها يوما ليست اليوم سوى اسماء مجردة في الذاكرة لاشجار كانت ترفد ابناء المناطق المجاورة حتى 150 كلم شمالا صنوف مختلفة من التمور والحمضيات ومن اشهر بساتين المدينة بستان الباشا المار ذكره وبستان القاضي وبستان مملي وبستان حيارة وبساتين حاجي تورشي وعينة بك وحاجي قره وحاجي عثمان وميللت وقوشقونماز ووابراهيم بيك وميري وملا خليل وملا بنزين وحاجي علي وحاجي حمه امين زركويزي وغيرها .

مدينة الفنادق بلا فندق
كان كفري منذ القدم ملتقى للطرق التجارية الى جانب موقعه الستراتيجي والصناعي ، حيث كان يقع في منتصف الطريق التجاري القادم من بلاد فارس الى بغداد ولذلك كانت القوافل التجارية القادمة والغادية تتوقف عند خاناتها الكثيرة للاستراحة والتبضع في آن واحد ، هذا ما دفع اصحاب رؤوس الاموال الى الذهاب الى المدينة وانشاء مصانع ومعامل ومطاعم وخانات وطواحين في المدينة ومن الخانات التي لازالت اثارها باقية كاطلال ترمز الى ازدهار المدينة حتى وقت قريب هي خانات ( باشا و عباس خانجي ، حاجي عزيز ، جميل بابان ( والد الوزير محمود بابان ) ، خان خويكه ( خان الملح ) ، حاجي رؤوف ، بهجت جلبي ، مصطفى ريزي ( كان مسؤولا لحزب الاتحاد والترقي فرع كفري ) ، خان ابراهيم عزت ، حاجي امين رباتي ، علي ميراخور ، خان محمود جلبي ، خان محمد علي افندي واخرى كثيرة والخانات كانت سائدة آنذاك في مناطق كثيرة وكانت تستخدم كفنادق هذه الايام وفيها ملحق لايواء الحيوانات ومخازن لتكديس بضائع المسافرين ، وهنالك الكثير من المدن والقرى اخذت تسميتها من هذه الخانات مثل خان النص وخان بني سعد وكذلك قرية خان القريبة من كفري ، وفي الخمسينات شيد الحاج رؤوف وهو من اعيان المدينة سماها فندق نجيب ولكنه اليوم وبعد اهمال المدينة من قبل كل من حكم العراق منذ تاسيس العراق ولحد الان اصبح خرابا هو الاخر فبدلا من ان تزورها الناس اصبح السكان الاصليون يتركون المدينة ويتوجهون الى المدن الكبيرة بحثا عن لقمة العيش وقد سكن قسم كبير منهم في كلار المدينة القريبة منها ( 40 ) كلم شرقا والتي كانت لغاية عام 1970 قرية صغيرة من توابع المدينة فاهتم بها النظام الدكتاتوري وقام بتوسيعها من خلال بناء عدة مجمعات فيها لاستيعاب المرحلين الكرد من خانقين والمهجرين من القرى التابعة لقورتو وميدان وثم القرى المهدمة جراء عمليات الانفال وبعد الانتفاضة الجماهيرية عام 1991 التي اعقبتها حكومة اقليم كوردستان وبدلا من اصلاح الامر قامت هذه الحكومة بتطويرها من خلال بناء المعاهد والمؤوسسات المختلفة على حساب مدينة كفري التي ازدادت اهمالا وخرابا وحتى المشاريع التي غزت المنطقة بعد قرار النفط مقابل الغذاء كانت نصيب المدينة شئ لا يذكر فيما اذا قورنت بمدن اخرى مثلها في اقليم كوردستان واذا كانت المقارنة مع مدينة كوية ( كويسنجق ) مثلا فيصاب المقارن بصداع ودوار من اثر الفرق بالاهتمام بالمدينتين وسكانهما في آن واحد !!

مدينة الطواحين المائية
حتى نهاية الستينات كان سكان اقضية كلار وطوز ونواحي بيباز ودربنديخان وسنكاو وقادركرم ونوجول وسرقلعة وقره تبة وجبارة و زنكاباد وجمع القرى التابعة لها وحتى اهالي بعض القرى في ناحية قره داغ تقصد هذه المدينة للتبضع والتجارة ومتابعة المعاملات الرسمية ، ولاجل استيعاب هذا الكم الهائل من الناس كان هنالك في المدينة الى جانب الخانات المذكورة العشرات من المطاعم ( لوقنته خانات ) والطواحين المائية والهوائية في اطراف المدينة وعلى امتداد النهر والتي غدت هي الاخرى اطلالا كرموز المدينة الاخرى ومن اهم تلك الطواحين هي ( قره داگيرمان ، باش داگيرمان ، موسى بك ، كوير پسك ، قدو ، ابراهيم صنع الله ، اسطة نوري حسن ، خليفة آشوان ، احمد ملا عمر ، ابراهيم وستا محاو ، نوري مبارك واخرى وقد كانت كل هذه الطواحين تدور لانتاج المزيد من الدقيق تلبية لحاجة السوق العامر في المدينة التي خلت من كل معالمها الان وتصدع سقفه الذي بناه بنائون مهرة من بلاد فارس ، فمن يلاحظ المباني القديمة يتراءى له خليط عجيب من الطرز المحلية والاسلامية والفارسية والتركية والكردية وحتى نماذج من طرازات بابلية وساسانية ، فهنالك القبب والمنائر والشناشيل والاسواق المسقوفة والطاقات والاقواس ، وهنالك مصطلحات قديمة في تفاصيل البناء آخذة طريقها الى النسيان منها ( دنجاغ ، سرداب ، شوقلت ، العتبة ، الايوان ، بانكويز ، سكو ، كوشك ، ديوه خان ) وجميع المباني في المدينة بنيت بمواد اولية محلية وخاصة الجص والحجر من مقالع خاصة من الجبال التي تطوق المدينة من جهتها الشمالية والشرقية وكل هذا الخلط من الطرازات يعني ان المدينة كانت متأثرة بالحضارات المختلفة عن طريق القوافل التجارية التي تقصد المدينة ، ويجب ان نذكر ان الكثير من اؤلئك التجار استقروا في المدينة ولا زالت عوائل كثيرة وكبيرة منهم تقطن المدينة بعد ان تزاوجوا مع السكان الاصليين واصبحوا مع الزمن من سكان المدينة ، فقد اطلعت في خزانة المحامي طالب عبدالله اغا وهو من اعيان المدينة مجموعة نادرة من سندات البيع والشراء لدور وعرصات ومطاحن وخانات واسواق تعود تاريخها الى قرون ، وقد قمت بتحقيق واحدة من تلك المستندات وهي وثيقة بيع طاحونة الى احد المماليك في كفري تحمل توقيع داود باشا والي بغداد المشهور مع تواقيع ثمانية عشر من اعيان ووجوه بغداد ما يؤكد اهمية المدينة في تلك الفترة حيث حتى المماليك كانوا يتوجهون اليها لشراء عقارات فيها .

سكان المدينة
يبلغ تعداد سكان المدينة حاليا اقل من 30 الف نسمة واغلبهم كورد وثم التركمان وبعض العرب في القرى الكائنة جنوب المدينة والكل يتقنون اللغة الكردية بطلاقة وهنالك صلة قرابة بين اغلب العشائر الرئيسية ولم يحدث طوال التأريخ مشاكل بين هذه القوميات وان حاول النظام مرارا خلق مناخات مناسبة للصدام بينها الا ان الترابط الموجود بين كل تلك الاسر والعولئل كانت اكبر من الدسائس وقد شارك ابناء كل القوميات في الثورات الكردية المتلاحقة وحتى عام 1951 كانت تسكن اقلية يهودية من ( 29 ) عائلة حسب الاستاذ هاشم سيد احمد في مخطوطه المعد للطبع ( اخبار كفري وحوادثها من 1940 الى 1960 ) تتمهن الصيرفة والاعمال التجارية ولهم دار عبادة لهم تسمى محليا ( تورات ) لازالت الدار قائمة في محلة السادة واصبحت اليوم ستوديو تصوير باسم ستوديو السيد ولهم مقبرتهم الخاصة في موقع دربندي تالا تعرضت في سنوات الحصار الى العبث من قبل الناس البسطاء ظنا منهم ان القبور تلك تضم الى جانب رفاة الموتى ذهبا وقد قتل اثنان منهم وهما كل من داوود جيقة وماموخ ، وهنالك ايضا شواهد لمزارات ائمة الكاكائية في مواقع مختلفة في المدينة منها ( باوه شاسوار ) و ( باوه كاشه ) و ( امام محمد ) و ( شيخ باوه ) تتبرك الناس بهم لكن يد الانفال الصدامي طالتها وسوتها مع الارض .
اهم العشائر الكردية في المدينة واطرافها هي ( دلو ) و ( زنكنه ) و ( جاف ) و ( كيژ ) و ( داودة ) و ( زند ) و ( ونداوي ) و ( الاسرة البابانية ) و( اسرة السادة_ وقد اخذت احد الاحياء الرئيسة منهم اسما ونقيبهم اليوم طالب اغا المحامي ) و ( الاسر القره داغية ) و ( شاكل ) و ( باجلان ) و ( البرزنجة ) و ( زه رداوي ) و ( پالاني ) و ( كچاني ) و ( گاخوري ) و ( دراجي ) و ( عمربلي ) و ( شيخ سمايلي ) و ( تيلكو ) و ( قوالي ) وغيرها ، اما الاسر التركمانية فاهمها اسرة ( ده ده ) وقد قدمت من اذربيجان الى المدينة ولهم زقاق خاص وسط المدينة يحمل اسم العشيرة والبعض من الونداويين يعتبرون انفسهم تركمانا وهم يتكونون من ثلاثة اسر كبيرة لم تتحد شجراتها بأب واحد وهي من الاسر المعروفة بتقليد ابنائها المناصب الحكومية سواء في المدينة او مركز المحافظة كركوك او العاصمة بغداد وكذلك عشيرة البيات المعروفة ، واما العشائر العربية القاطنة في الجنوب الغربي للقضاء فهي الدهلگية والعزاويين والجبور وهم قلة .

ثورة ابراهيم خان الدلوي
بعد جلاء العثمانيين ومجئ الانكليز الى المنطقة اندعت ثورة كبيرة في منطقة كفري بقيادة الثائر المعروف ابراهيم خان رئيس احد افخاذ عشيرة الدلو وقد اصطف الى جانبه عشائر اخرى تمكنوا على الهجوم على المدينة وطرد الانكليز منها وثم قتل الحاكم البرطاني فيها فتشكلت فيها حكومة محلية برئاسة الخان وعضوية اعيان المدينة و رؤساء العشائر في عام 1920 وقد دامت سلطة الحكومة اكثر من ثلاثة اشهر فاعاد الانكليز الهجوم على المدينة تعاونه عشيرة الطالبانية الموالية له فلم تصمد الحكومة كثيرا امام هجوم المهاجمين فانفرط عقد العشائر وهرب ابراهيم خان الى مضارب البيات وبقى مختفيا هناك الى يوم وفاته فدفن هناك ورغم الحاح ذوي القائد بنقل رفاته الى كفري امتنع الاهالى هناك وقبره يزار الان تبركا .

الثورات الكردية
هذا ولم يتوان سكان المدينة في المشاركة في كافة الثورات والوثبات الوطنية وقدموا كوكبات من خيرة ابنائهم قرابين فيها ومجرد ذكر اسماء الشهداء ربما يحتاج الى مجلد كامل ففي ثورة ايلول ( 1961_ 1975 ) كانت المدينة والمناطق التابعة لها سباقة في تشكيل المفارز الاول للثورة وقدموا في ميادين بطولية نادرة المثال عشرات الاسماء اللامعة شهداءا منهم الشهيد القيادي عبدالرحمن نفوس الذي اصبح في فترة مسؤولا لفرع بغداد للحزب الديمقراطي الكردستاني وعضوا في وفد الحزب للتفاوض مع النظام العارفي ولكن بعد فشل المفاوضات القي القبض عليه واعدم في سجن بغداد المركزي وقد حدثني رفيق دربه المرحوم اسماعيل قره داغي عن صموده امام جلاديه الذين عذبوه بكل وحشية ليرموا بعدئذ بجثته في نهر دجلة ، ومن شهداء ثورة ايلول الشهيد احمد حاجي سمين وعبه آمه وعريف عبود وكريم ابو شوارب وحسن خليفة مالك وتيمور سعدالله وشيخ سمايل وشهداء آخرين اما في الثورة التي تلت انهيار ثورة ايلول مباشرة فكانت للمدينة هذه دورا رائدا لمد الثورة بالبيشمركة وقد كان اسم فرقة 51 كرميان بقيادة سامان گرمياني اسما لامعا بين فرق الثورة الاخرى وشهدائهم ايضا كثيرون فهنالك خالد كرمياني وقاسم فقي علي و سيد محمد واسماعيل بي كي سي ود. آتيلا سعدالله وناظم رشيد بلكة وحسين حمه سمكه واحمد حاجي رشيد ومئات الشهداء الاخرى الذين صنعوا هذا اليوم يشهد اعادة اعمار كردستان المهدمة الا كفري التي تكاد تكون اسمها منسية الا في البطولات التي صنعتها بنات وابناء المدينة ، فما دخلت پيشمرگة گرميان وهي منطقة واسعة الارجاء قلبها كفري الا وأدوا الواجب بكل بسالة ففي معركة واحدة في قرية عمربل حطموا لواء 17 المدرع المسمى لواء الذئب لشراستها في القتال وفي تصد رائع لهجوم قوات صلاح الدين وهي من قوات الحرس الجمهوري قوامها فرقة مدرعة مع كافة الوحدات المجحفلة معها حطموا 47 دبابة بين كفري وسرقلعة فترك العدو اشلائها على ساحة المعركة بعد ان لاذ بالفرار وقد كان المقبور حسين كامل هو الذي يقود المعركة بنفسه عندما كان وزيرا للدفاع ، وقد واجه السكان اظطهادا غير مسبوقا من قبل السلطات الامنية والاستخبارية ففي يوم واحد زج النظام 88 عائلة من ذوي البيشمركة في سجن بعقوبة وجلهم من النساء والاطفال مات البعض منهم داخل الزنزانة نتيجة لضيق مساحتها ، وقد القي القبض في الوقت نفسه على الشاعرة والباحثة الكردية المعروفة مهاباد قره داغي لكونها قد كتبت في كشكول صغير لها بعض القصائد البريئة لكردستان وهي بنت السادسة عشر وتم مقاضاتها في محكمة الثورة الرهيبة ببغداد فنمت قابلياتها الثورية داخل السجن فكتبت اقوى قصائدها في زنزانتها وبعثتها بواسطة جسر امين في شرطة بعقوبة الى الجبل لتنشر في مطبوعات الثورة باسماء مستعارة ويذكر ان حيدرتوفيق ( سامان گرمياني ) وعادل شكر كانا من اوائل قادة التشكيلات في قوة بيشمركة كوردستان اما عثمان حاجي محمود وعدنان حمه ي مينا والشهيد سيد محمد وقادة اخرون فيرجع اليهم الفضل في ادامة الثورة بعد عمليات الانفال التي اتسمت بمسح القاعدة الادارية والمعيشية للثورة بهدم كافة القرى والوحدات السكانية في المناطق المحررة وذلك من خلال المفارز البارتيزان المتحركة المختفية حتى يوم اندلاع الانتفاضة في 5 / 3 / 1991 .

مدينة الشعر والثقافة والادب
قدمت هذه المدينة مجاميع من الوجوه الادبية والثقافية والفكرية في مختلف العصور ، فالشاعر الهجائي الكردي خليل منور وهو من الاخوة الكاكائية قد نشأ وترعرع وعاش في هذه المدينة وترك للمكتبة الكردية ديوان شعري رائع قام الاستاذان مصطفى نريمان وهردويل كاكائي بتحقيقه وطبعه ، وبرز فيها ملا محمد قره داغي ( محمد شكري ) الذي كتب الشعر والف الكتب باربعة لغات ، الكردية والعربية والتركية والفارسية والشاعر ملا حمدون وميرزا شفيع وشيخ محمد شاكلي ( والد الوزير الاديب محمد شاكلي ) وسيد ابراهيم سيد علي وكان لامعا في الهجاء و أحمد قره داغي ( والد خبير النفط المشهور مصطفى قره داغي ) و پشكو وجمولي ( جميل حاجي ابراهيم ) و وقادر ميراخور ( مخلص ) و وشيخ ابو بكر محي الدين ( سقمي ) وسامي علي دلوي وحاجي برايم شاتري ، ومن الادباء القاص غازي فاتح ويس والقاص صباح آرام والناقد والمترجم جلال زنگابادي والكاتب هاشم سيد احمد وشقيقه الاكبر مصطفى نريمان الذي خلف آلاف الصفحات الخالدة للمكتبة الكردية منها كتاب ( ثورة ابراهيم خان الدلوي 1920 ) وبيبلوگرافيا الكتب الكردية ومذكراته التي تحوي معلومات مهمة لحقبة من تاريخ المنطقة ومكرم طالباني وشقيقه الوجه والسياسى المرحوم شيخ عطا طالباني و شيخ محمد شاكلي وحمه سعيد بگ جاف الذي كان عضو هيئة تحرير جريدة التآخي عام 1967 مع زميله نجيب بابان وكذلك نجله المهندس المعماري والقاص والكاتب خوسرو جاف مؤلف دائرة المعارف الكردية ( الانسكلوبيديا ) ومجموعة من القصص الرائعة وغيرهم .

مدرسة التجديد الشعري في كفري
بعد الحركة التجديدية للشعر الكردي والثورة على القوالب الشعرية الكلاسيكية من قبل الشاعر الكبير عبدالله كوران ومعاصره الشاعر شيخ نوري شيخ صالح واستمرار نهجيهما في كتابة الشعر الكردي من قبل الشعراء الذين خلفوهما حتى نهاية الستينات من القرن الماضي انبثقت مدرستان للشعر الحداثوي في كوردستان في آن واحد احدهما في السليمانية وحملت اسم ( روانگه _ المرصد ) وكان الشاعر الكبير شيركو بيكه س يقودها وكان القاص احمد شاكلي ضمن الاسماء الداخلة في هذه المدرسة وهو من كتاب كفري والثانية اخذت تسمية مدرسة كفري الحداثوي في تاريخ الادب الكردي وكان الشاعر الكردي الكبير لطيف هلمت يقود هذه المدرسة ومن اقطابها الشاعر الدكتور فرهاد ( انور شاكلي ) والشاعر كنعان مدحت وقد سار على نهجهم مجموعة من الشعراء الكرد في عموم كوردستان وخصوصا في كوردستان ايران حيث هنالك اقبال غير عادي على تقريض الشعر وفق طريقة هلمت المالوفة لدى متلقي ومتذوقي الشعر في الساحة الادبية الكردية ، وفي السبعينيات والثمانينيات برزت اسماء شعرية كردية اخرى من ابناء وبنات كفري فاق شهرة بعضهم كبار شعراء الكرد ونذكر منهم الشاعرة والكاتبة والناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة مهاباد قره داغي ولها 29 كتابا مطبوعا بين مجاميع شعرية وروايات وتحليل سوسيولوجي وعمها الشاعر والباحث عبدالله قره داغي والقاص عبدالله صابر والمرحوم فريق امين الذي ادركه الموت وهو في بداية مشواره الادبي وطاهر شيواو وصالح هلاج ( حلاج ) وعمر فارس و فاتح سلام وصلاح حميد عبدالله رمضان ( صلاح برلمان ) وماموستا علي عبدالله والكاتب الصحفي فائق خورشيد وايضا الخطاط المشهور المرحوم صفوت نديم والذي أجازه أعظم خطاطي التاريخ الاشهر حامد الامدي والفنان التشكيلي والشاعر الناقد عبدالحكيم نديم الداودي والصحفي عبدالمطلب سرحد والكاتب الصحفي سامان كريم ووالصحفي شاخوان صابر و تابان شيخ عبدالله والصحفي هيوا علي والصحفي دلير طه حمه جان والصحفية كژال مام جلال مسويي والكاتب صديق سعيد ( ابو علي ) والقاضي نوري حاجي سعيد والصحفية سنور جلال والكاتب التربوي علي حسين وشكر حمه ي هه يه ر والكاتب حسين اسماعيل خان والكاتب سيروان أمين والشاعر غالب الونداوي والشاعرة شكيبة الونداوي والاستاذ طالب رؤوف الونداوي والصحفي دلشاد عثمان خياط وعشرات الاسماء اللامعة غيرهم , ويجب أن نقول أن أصدار صحيفة زه نك وملحقه العربي ( الناقوس ) قد ساعد على إعادة تنشيط الحركة الثقافية والادبية في المدينة ووراء زه نك يقف السيد سامان گرمياني الذي يعمل بكل جد من أجل المدينة وأعادة إعمارها فيستحق منا تحية خاصة بالمناسبة .

كفري قاعدة المقام العراقي
تشير معظم المصادرالخاصة بدراسة المقام العراقي ومنها كتاب الحاج هاشم الرجب ( المقام العراقي ) ان اول مدرسة للمقام انبثقت في كفري على يد المقرئ المبدع ملا ولي عبدالرحمن الذي كان يعتبر حجة زمانه وقد اخذ من مجموعة من قراء المقام في مدن مختلفة لعل اشهرهم على الاطلاق المقرئ المعروف رحمة الله شلتاغ الذي يقول عنه الرجب في كتابه اعلاه انه من اكراد الشام قدم الى كفري واخذ المقام العراقي من ملا ولي عبدالرحمن ولكن مصادر اخرى ومتنوري المدينة ايضا يؤكدون ان رحمة الله بن سلطان اغا الملقب بشلتاغ هو من اهالي كفري اصالة وله صلة قرابة مع معلمه الملا من جهة الام وقد ذهب لفترة قصيرة الى مدينة كركوك واشتهر بين مغنيها فبدؤا يتحينون له الفرص للايقاع به مما أثار حفيظة شلتاغ وقتل احدهم هاربا الى بغداد وهناك التجئ الى احد امراء بابان الذي كان على معرفة بذويه فواجه بواسطة هذا الامير والي بغداد الذي كان من الارجح داود باشا وهو من المماليك فعفى عنه واغدق عليه الهدايا لااعجابه برخامة صوته وسعة اطلاعه بالانغام وفي بغداد اشتهر سريعا واصبح له الرئاسة على مغني بغداد واصبحت له مدرسته الخاصة فاجتمع حوله المعجبين ومن ابرز تلامذته المغني الكبير احمد الزيدان ورباز واحمد الزيدان المتوفي في عام 1912 اصبحت له طريقته الخاصة به فيما بعد شلتاغ ، ومطربي كفري قدموا ابتكارات مهمة الى المقام العراقي واعتقد ان الفضل في ذلك يعود الى الثقافات الغنائية المتداخلة في مركز كفري من كردية و تركمانية وعربية وفارسية واعيان المدينة كانوا يشجعون اهل الطرب ويهتمون بهم ، ومن الاسماء التي قدمت الى المقام والغناء بصورة عامة نذكر الملا عبدالله والملا اسماعيل الذي اخذ منهما المطرب العراقي الكبير محمد القبانجي مقامات تعتبر غريبة في بغداد .

القبانجي وقصة مقام قطر
من تلك المقامات مقام ( قتار الله ويسي ) وهو من جنس البيات ولكن القبانجي عندما عاد الى بغداد بعد زيارته لكفري حورالمقام قليلا وقدمه كابتكار جديد له باسم مقام قطر والمتطلع لكلى الثقافتين يدرك التقارب والتطابق احيانا بين النغمين ومعروف ان مقام ( قتار الله ويسي ) من المقامات الكردية القديمة جدا يعود ابتكاره الى شخص اسمه الله ويسي عاش قبل اكثر من قرنين في منطقة عشيرة زه نگنه وفي الحقيقة ان قتار والله ويسي مقامان مختلفان يقترن أحدهما بالآخر اما الابتكار المزعوم للقبانجي يعود الى الثلاثينات من القرن الماضي وقد فاتحت الموضوع مع المرحوم القبانجي في زيارة خاصة له مع احد اساتذتي في الاعدادية فايد زياراته المتكررة الى كفري ولكنه لم يقر بامر الاستفادة من المقام الكردي المذكور ، في حين حدثني المطرب التركماني المرحوم شنه بربر نقلا عن عباس ممد فليح المؤذن في الجامع الكبير في كفري وقال ان القبانجي عندما زار المقرئ الكبير ملا اسماعيل الذي كان خطيبا واماما في الجامع الح على الملا ان يقرأ له مقاما غريبا وغير مألوفا في بغداد لكن الملا تجاهل الامر وعندما حان وقت صلاة العصر طلب الزائر ان يؤذن بدلا مني ففوافقت وعندما صعد المأذنة ارشدني ملا اسماعيل ان اتبعه خلسة لاني والكلام للملا اسماعيل سوف اقرأ مقام قتار قبل وقت الاذان بدقيقة ومن المحتمل ان يرمي نفسه ويصيبه مكروه ، وقد فعلت ما امرني الملا وفي الوقت الموعود بدا الملا يتمتم قصيدة دينية بمقام قتار الله ويسي فما كان من القبانجي الا ويقفز من مكانه فوجدني خلفه واحتضنته فشكرني وقال ابدأ بالاذان وانا ذاهب الى ملا اسماعيل وهكذا حرم السكان من سماع صوته ولكنه اخذ من الملا مقاما جديدا .
ومادمنا نتحدث عن مطربي المدينة يجب ان لا ننسى اسم حسن قره ميتي وهو من البيات وجد المطرب عدنان جاسم والملا رؤوف الذي اخذ منه المطرب الكردي الكبير علي مردان بعض المقامات ويقال ان المطربة صديقة الملاية ايضا من اصول كفراوية ، وحسين ناراس و والمطرب نجدت كفرلي الذي غنى مع المطرب الكبير ابراهيم طاطلي ساس فاستحسن ادائه .

واخــــــــــــيرا
هنالك الكثير ممن يجب ان يكتب عن مدينة كفري ولكننا نكتفي بهذا القدر غير اننا نضع نقاطا امام انظار المعنيين لتطوير المدينة التي ساهمت بكل جدارة في انجاز التحرير الجماهيري الذي انبثقت منه حكومة اقليم كوردستان وان تنظر اليها بعدالة عند الاعمار اسوة بمدن كوردستان الاخرى وان تلغى حصة الاسد التي منحت لمدن المسؤولين الكبار .
ا_ اعادة تشييد السد التاريخي في كفري لاعادة المجد الاخضر للمدينة التي فقدت بساتينها الغناءة بعد انخفاض مستوى النهر في كفري .
ب _ اعادة تشغيل منجم الفحم الحجري .
ج _ استثمار ابار النفط الموجودة في اطراف المدينة لتطوير المنطقة .
د _ اعادة تبليط الشوارع والطرقات وانشاء المجاري التي تفتقدها المدينة الحديثة بينما موقع المدينة التاريخي فيها شبكة مجاري متكاملة يعود تاريخها الى مئات الاعوام !
ه _ العناية بالمواقع الاثرية واعادة ترميم السوق المسقوف وسور المدينة التاريخي .
و _ انشاء معمل متطور للجص كي يساهم في تلبية الحاجة المحلية في المدينة والمدن الاخرى .
ز _ اقامة النصب التذكارية لرموز المدينة التاريخية وانشاء الحدائق العامة والمنتزهات وتشجير المدينة واطرافها.

 
Leave a comment

Posted by on 20. July 2007 in المقال

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: